الأربعاء، 21 مارس 2018

عزاء في البلاء ..

عـــزاءٌ في البــــلاء ..
د. سلطان العَرَابي


* ‏لا تُحاول حبْس دموعك عند اشتداد البلاء بك ؛ فلربما تسلَّى قلبك الموجوع بالدموع ..
‏قالت عائشة في حادثة الإفك : ( فاستعبرتُ وبكيْتُ ) .
‏وسَمِع أبو بكر صوتها وهي تبكي : ( ففاضتْ عيناه ) .
‏وكعب بن مالك يُحدِّث عن بلائه بعد غزوة تبوك واشتداد البلاء عليه ؛ قال : ( ففاضتْ عيناي ) .


* لو عشنا لذَّة الدعاء لَـمَا تسلَّل اليأس إلى قلوبنا مهما طال البلاء وتأخَّر العطاء ..


* عندما اشتدَّ البلاء بكعب بن مالك قال : " يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أُحبُّ الله ورسوله ؟ فسكت، فعُدتُّ له فنشدته فسكت، فعُدتُّ له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي". رواه البخاري
‏

* فلم يشغله في حال شدَّة البلاء إلاَّ صِدق محبَّته لله ورسوله فهي المُنجية من كل بلاء .


* الله لطيفٌ بعبده مهما اشتدَّ عليه البلاء ؛ ومن لُطفه الخفي : الطُمأنينة في قلب المُبتلى ؛ فيُوقِنُ بنظر الله حال بلائه ، وبسمْعِهِ حال دُعائه ، وبتدب↣يره للأمور بحكمته وفضله ورحمته ..


* ‏لـمَّا علمت عائشة رضي الله عنها انتشار خبر الإفك : خَرَّتْ مغشيّاً عليها، فما أفاقت إلاَّ وعليها حُمَّى بنافض .
‏
‏تعليق : شدَّة البلاء عظيمة ، وألسِنَة الناس جارحة ، وكلماتهم مؤلِمَة ، وحُرْقة الأبرياء كبيرة ، والنفوس الصادقة تكتمُ حُزنها إلى حدِّ المرض ، ومع هذا تذكَّر أنَّ الله رحيمٌ في بلائه.


* لا تجعل الشيطان يُفسِدُ عليك حياتك بهموم المُستقبل ؛ كُن قريباً من الله وناجهِ بصدقٍ وإلحاح ؛ فليس هناك شيءٌ على الله بعزيز ..


* حتى لو تخلَّى كل الناس عنك فمعك الله الرحيم الكريم اللَّطيف .. هو الذي يُقدِّر الأقدار ، وبيده مقادير التوفيق والسعادة ؛ وتذكَّر يوسف عليه الصلاة والسلام كم مكث في ( غُربة البلاء ) بسبب ( المكر والقطيعة والعداء ) ثم أكرمه الله بكرامة الدنيا والآخرة ..


* يشتدُّ الهمُّ بصاحب البلاء إذا كان في ضيقٍ من وقته ؛ فيرى السعادة قد تأخَّرت وقطار العمر يمضي ؛ وربما انقطع عن الدعاء ، أو داخله اليأس والقنوط ، أو غزاهُ الحُزن والشحوب ؛ فتزداد حسْرتُهُ ويَعْظُمُ ألَـمُهُ ؛ لأنَّه نسيَ تدبير الله وحِكمته في تقديره وأنَّه أرحمُ به من كُلِّ أحد .

‏
* أعظمُ الأوقات التي تشكو فيها بثَّك وحُزنك إلى الله هي في وقت السَّحَر ؛ فعندما يهجم الليل عليك بِوِحْدته لا تستسلم للهمِّ ولا تركن للحُزن ؛ بل قم بين يدي الله واسأله وألِحَّ عليه ؛ وناجهِ مُناجاة مُفتقِرٍ إليه ، واطلب منه تفريج هموم قلبك بيقينٍ صادقٍ أنَّ الأمور كلها بيديْه .


* إنْ أقامك الله بين يديْه ، وفتَحَ لك في دُعائه ومُناجاته ، وأطلَقَ لسانك بذِكْره ، وأقبَلْتَ على تلاوة كلامه ، وشعرتَ بافتقارك إليه في كل وقتٍ ؛ فاعلم أنَّه سُبحانه يُريد أن يُكرمك ..


* ‏أرأيتَ ما كَتَبَ الله لك من أقدارٍ لم تخطر في بالك من قبل ، وما طرأ على حياتك من تغيُّرٍ لم تحسب له حساب ؛ ثق أنَّه سبحانه سيكتب لك أيضاً ما لا يخطر على بالك الآن ؛ فاسألِ الله حُسْن المقادير ..


* ‏الله لطيفٌ بعبده مهما اشتدَّ عليه البلاء ؛ ومن لُطفه الخفي : الطُمأنينة في قلب المُبتلى ؛ فيُوقِنُ بنظر الله حال بلائه ، وبسمْعِهِ حال دُعائه ، وبتدبيره للأمور بحكمته وفضله ورحمته ..


* ‏لا تجعل بلاءك آخر المطاف ونهاية الحياة ، ولا تلتفت لمن يسخر من حالك ويشمتُ بمُصابك ؛ فرحمة الله أوسع ممَّا ضاق عليك ، هو سبحانه رحيمٌ لطيفٌ في بلائه ؛حكيمٌ عدلٌ في قضائه ..


* ‏لا تنفكُّ حياة المؤمن عن البلاء ، وبعض الابتلاء قد يطول ، وبعضه لا انكشاف له إلى يوم لقاء الله ؛ فمن جَزِعَ وتسخَّط فلن يُقصِّر أجل البلاء ، ومن قابل البلاء بالقُرْب من الله والإقبال عليه تسلَّى بالرضا والدعاء ولو مكث حياته كلها في البلاء ..


* ‏‏﴿ وإذا سألك عبادي عنِّي فإنِّي قريب ﴾
‏
‏في أشدِّ لحظات حُزنك ، وعند تزاحم الهُمُوم على قلبك وابتعاد السعادة عن حياتك : لن تَجِدَ أقرب من الله ..
‏استشعارك لقُرْب الله منك : يغمر قلبك بالرحمة التي تُنسيك كل هُمُومك وأحزانك ..


* في كثيرٍ من الأحيان يحتاج المهموم والمكروب إلى من يُواسيه .. إلى من يمسح دمعته .. إلى من يُهوِّنُ عليه أحزانه .. إلى من يُخفِّفُ عنه آلامه ؛ يبحث عنهم فيجدهم ( بعيدين ) مشغولين في حياتهم .. وينسى أنَّ الله ( قريبٌ ) ؛ يرحمه ويلطف به ويُفرِّج همومه ويكشف ما به من البلاء ..


* ‏للهمُوم سطوةٌ على النفس تختنقُ معها الأنفاس ، وربما وضع المُبتلى رأسه على وسادته وهو مُثقَلٌ بهمومه فتسيل دموعه على خدِّه من دون شعور  ..
‏ثق أيها المهموم أنَّ الله رحيمٌ كريمٌ عظيم ؛ يراك ويسمعك ؛ وهو قادرٌ على كل شيء ؛ فبُثَّ شكواك إليه ، وأخرج هموم صدرك في سجودك بين يديْه ..


* دخلت امرأة من الأنصار على عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك وبكت معها كثيراً دون أن تنطق بكلمة ..

‏نعم : ما أجمل أن تلقى شخصاً يفهمك ، يعيشُ معك بصدق ووفاء ، يحزن لحُزنك ويفرح لفرحك ، ينصرك ظالماً أو مظلوماً ، إن عجز عن مواساتك فلن يعجز عن بذل الدعاء ..


* ‏هناك سعادةٌ يجدها صاحب البلاء في صدره وانشراح نفسه عند اشتداد الضيق وانقطاع الرجاء في الناس ؛ وهذا من ألطاف الله الخفيَّة لِـمَن حَسُنَ ظنُّهُ بالله .. فلا ينفكُّ لُطفُهُ عن قَدَرِه ، ولا ينقطع كَرَمُهُ عن رجائه ، ولا يتأخَّرُ فرَجُهُ عن الأُنْسِ به ..


* في أشدِّ لحظات حُزنك واشتداد كربك : افتح كتاب الله ، اقرأ كلام الرَّحيم ؛ هو أرحم بك من الناس أجمعين ، اقرأ كلام العليم بحالك ؛ ستغسل دموعك كُلّ همٍّ وحُزن وتعبٍ تشتكي منه ، ستشعر بسعادة القُرْب من الله لأنَّك لجأتْ إليه ..


* مهما تأخَّرت إجابة الدعاء وطال بك البلاء وضَعُفَ كل شيءٍ فيك ؛ لا يضعُف يقينك وتعلُّقك وثقتك وحُسْنُ ظنِّك بالله ..


* لا تُغلِق أبواب الفرَج عليك بسُوء الظنِّ بالله وترْك الدعاء والمُناجاة ؛ بل قُل بيقيـنٍ يملأ قلبك : فرَجُ الله قريبٌ ورحمته أكبر من كل همٍّ ..



* ‏صاحبُ البلاء كالمسافر المُنقطع في أرضٍ فلاة ؛ كلما مرَّ عليه أحد طلب منه المساعدة فاعتذر ومنَّاه ، فلم يَلُمْهم أو يُؤمِّل عليهم ، بل أيقن أنَّ نجاته بيدي الله ولم يبقَ في قلبه تعلُّقٌ بغير الله ؛ فحَثَّ الخُطى وواصل مسيره رغم التعب حتى أشرف على بلده ورأى الفرَج بعد الشدَّة .



* هناك لحظاتٌ يشعر فيها صاحب البلاء بحاجته الشديدة أن يشكوَ لأحدٍ يَثِقُ فيه يُقاسمهُ الهموم ويُخفِّفُ عنه الأحزان ؛ ولو جرَّب لذَّة مُناجاة الله والأُنس بالله لم يشتكِ إلاَّ إلى الله ﴿ إنَّما أشكو بثِّي وحُزني إلى الله ﴾.


* مهما شكوْت إلى أحدٍ ما تُعانيه فسوف تقصُرُ العبارات وتعجز الكلمات عن الإخبار بمكنون الفؤاد ؛ لكن عندما تشكو إلى الله يعلم سُبحانه ما في قلبك حتى لو عجز لسانك وضاعت كلماتك بين دموعك ..

‏
* في الشكوى إلى الناس عِدَّة مرارات : قد يُسيئون بك الظنَّ ، أو يفهمونك بالخطأ ، أو يُفشون سِرَّك ، أو يزهدون فيك ، وأعظمها مرارةً : فُقدان لذَّة الشكوى إلى الله ..


* مِنَ الهمُوم ما لا يُمكنُ البوح بها ، ولا أمل في انفراجها إلاَّ يوم القيامة ، ولا يُخفِّف ألَمَها وشدَّتها في الدنيا إلاَّ الأُنْس بالله والرِّضا عنه ، ولا يُصبِّر القلب عليها رغم طولها إلاَّ رجاء ثواب الله ﴿إنَّما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾.