الأربعاء، 25 أبريل 2018

خاطرة قصيرة ..

                    حلِّق بروحك عالياً وارتقِ بنفسك !!


مُزدحمةٌ هذه الحياة بكثيرٍ من المُنغِّصات والأكدار ، ومن خلال ثقوب ضيق الحياة يتلمَّس الواحد راحة البال وصفاء النفس وسلامة القلب واجتماع الفِكْر ..

مشاكل يومية ، نفوسٌ مُتذبذبة ، تنافر في أرواح الأقارب ، تهاون بالغيبة ، سعي بالنميمة ، انتشار بعض الأحقاد والضغائن المُزمنة ، جفاء من دون سبب ، تعبٌ مُفاجئ ، حسدٌ بغيض .. فتُعاني نفوسنا الإرهاق منها لحدِّ العجز عن التفكير الصحيح والتعامل السليم .

فما المخرج وما السبيل إلى راحة البال ؟

هذه الحياة وما طُبِعَتْ عليه من كَدَرٍ أشبه ما تكون بميدانٍ مُزدحمٍ بالناس ، وفي وسط هذا الميدان بناية من عشرة طوابق ، والواحد منّّا في وسط الناس يُصيبه من تعب الازدحام وضيق النفس ونتن الروائح الكريهة الشيء الكثير ، فيتعطَّل عقله ، ويتشوَّش تفكيره ، وتضيق نفسه ؛ وكلما بقيَ أكثر وقتٍ وسط هذا الزِّخام ازداد تعبه وتشتَّت نفسه !!

لكن لو فكَّر الواحد باللجوء إلى هذه البناية وسط هذا الزِّحام ؛ فدخل إليها لخفَّ عنه ما يَجِدُ من تعب ، ولو ارتقى إلى الطابق الأول لخفَّ عنه التعب أكثر ، وارتاح من أصوات الناس بشكل أكبر ..

وكلما ترقَّى في طوابق البناية وجد الراحة والصفاء ؛ حتى إذا ما وصل إلى الطابق العاشر فإذا بالأصوات العالية قد اختفت ، والهواء العليل يُنعش رئتيه ، فإذا ما نظر إلى زحام الناس من الأعلى استطاع أن يرى المخارج من بينهم ، وأصبح يستطيع تمييز الأماكن الهادئة وسط هذا الزِّحام الكبير ..

هكذا هي الحياة ؛ في وسط زحامها وأنت غارقٌ بين مشاكلها لن تستطيع التفكير بشكلٍ إيجابي ؛ لأنَّك لا تُبصِرُ طريقك جيداً .

لذا ؛ أول ما تلجأ إليه لتخفيف هذا التعب هو الحصنُ الحصين : طاعة الله والإقبال عليه وكثْرة ذِكْرِ الله ، هو بوَّابة الأمان ومرتع الراحة والاطمئنان ، فإذا آوى الإنسان إليه بدأ في الارتقاء بنفسه ، فتتَّسِعُ آفاق تفكيره ، ويصفوا ذهنه ، وكلما ترقَّى في الهدوء النفسي والابتعاد عن ضغوطات الحياة وَجَد راحة البال .

كلما حلَّق بروحه عالياً ولم يَحْمِل الدنيا على رأسه استراح من همومها ، وكلما عَرَف حقيقة الناس اطمأنَّت نفسه وسكَنَ قلبه ..

من تحصَّن بالرجوع الدائم إلى الله في كل أموره ، والاستعانة به سبحانه على قضاء شؤونه ، وأنزل حاجته بالله وما أهمَّه في حياته ؛ أكرمه الله برُقيِّ نفسه وسَعَة صدره وهدوء باله وسداد تفكيره وحُسْن تصرُّفه ؛ ذلك أنَّ الطاعة تُورِثُ هدوء النفس واتِّزانها ؛ فلا يجزع صاحبها من مشاكل الدنيا ، ولا يقنطُ وينهار من مُفاجآتها ..

إن حلَّ بساحته همٌ أو غمٌ ، أو طرقت بابه المشاكل والفواجع ، أو اعترضت طريقه الأكدار والأقذار ؛ تَجِدْه في سكينة وطُمأنينة ، يُؤمن بقضاء الله وقدره ، ويعتقد أنَّ تقدير الله كله له خيرٌ وإن كان في ظاهره الشرُّ إلاَّ أنَّ الخير مُتمحِّضٌ فيه ..

يمنح نفسه مسافةً للتفكير ، يجعل بين أفعال الناس تجاهه وردود فِعْله تجاههم مسافة تأمُّلٍ في العواقب ..

إن خيَّل له الشيطان أنه سيبقى غريباً وحيداً منبوذاً سارع بقطع طريق الوساوس بحُسْن الظنِّ بالله وعظيم الثقة بكرمه وصدق الإيمان بوعْده وسؤال الله مقادير السعادة ( ربِّ لا تذرني فرداً وأنتَ خير الوارثين ) .

فإذا ما حلَّقت روحه عالياً في سماء الاعتزاز بالله والكفاية به أيقن أنَّ الأمور كلها بيد الله ، وأنَّ الخير منه وإليه ، وأن أيام الحياة سريعة التصرُّم والانقضاء ..

تلك هي قصة الحياة باختصار ، لا تُغرِق نفسك فيها ، ولا تنشغل بهمومها عن همِّ النجاة عند الله ، والجأ إلى الله قبل أن تضيق عليك الدنيا لتجد السعة إن ضاقت عليك فيما بعد ..

انظر لمشاكل الحياة من علوٍّ .. فكِّر فيها وأنت من خارجها .. اجتهد في النظر للمخارج من ورطاتها .. امنح نفسك ساعات هدوء لا يقطعها عليك أحد .. 

وتذكَّر .. أنَّ من كان مع الله وتعلَّق بالله لا يُضيِّعه الله .


✍🏼 سلطان العَرَابي
‏‏١٠ شعبان ١٤٣٩هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق